ابن حزم

466

الاحكام

فصل : في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف قال قوم من أصحابنا ومن غيرهم : لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل . قال أبو محمد : وقد أخطأ هؤلاء القائلون . وجائز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف ، والشئ بمثله ، ويفعل الله ما يشاء ولا يسأل عما يفعل ، وإن احتج محتج بقوله الله تعالى : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * وبقوله تعالى : * ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) * وبقوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * وبقوله تعالى * ( ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ) * فالا حجة لهم في شئ من ذلك ، أما قوله تعالى * ( يريد اله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * ( وما جعل عليكم في الذين من حرج ) * فنعم ، دين الله كله يسر ، والعسر والحرج هو ما لا يستطاع ، أما ما أستطيع فهو يسر وأما قوله تعالى * ( يريد الله أن يخفف منه ولا ثقيل البتة إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه هذا أمر يعلم حسا ومشاهدة ، ولا ولا يشك ذو عقل أن الصلوات الخمس المفروضة علينا أخف من خمسين صلاة ، وأنها لو كانت صلاة واحدة كانت أخف علينا من الخمس ، وقد خفف الله تعالى عن المسافر فجعلها ركعتين وعن الخائف فجعلها ركعة واحدة ، ولو شاء ألا يكلفنا صلاة أصلا لكان أخف بلا شك . وقد نص الله تعالى في الصلاة على أنها كبيرة إلا على الخاشعين ، ولا يشك ذو عقل وحس أن صيام شهر أخف من صيام عام ، وأن صيام ساعة أخف من صيام يوم ، فكل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالإضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا ، كما قال الله تعالى آمرا لنا أن ندعوه فنقول : * ( ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا وما لا طاقة لنا به ) * . وكما نص تعالى أنه وضع بنبيه صلى الله عليه وسلم الإصر الذي كان عليهم ، والاغلال التي كانوا يطوقونها ، إذ يقول تعالى : * ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم